الثلاثاء

بقلمي : قصة اسلام عمر

 


نحن الان في العام السادس للبعثة وفي احد طرقات مكة في الهاجرة
ودرجة الحرارة مرتفعه جدا لدرجة ان لا احد يسلك تلك الطرقات في مثل هذا الوقت
فالسكون يكاد يكون هو المسيطر باستثناء صوت رغاء بعض الجمال وهو يأتي من بعيد وبشكل متقطع
وفي هذه الطريق الضيقه نسبيا التي لا يتجاوز عرضها الامتار
اذ يحدها من جانبيها حائطان احدهما بطول قامة الرجل المعتدل
والاخر اقل قليلا منه وقد بنيا حتى منتصفيهما بالحجاره لكي لا تجرفه السيول وما تبقى منه باللبن ومن النظرة الاولى تتبين
ان هذه الزيادة التي من اللبن حديثه البناء واما الحائط الاخر فقد تهدم جزء منه فاذا ما جاوزته
تستطيع ان تشاهد ما ورائه وهي حضيرة في منتصفها سقيفة تستظل بها بعض الماشية
وفي احد اطرافها بئر وترى بقايا جذوع النخل التي قطعت بارتفاع نصف قامة الرجل وتركت متراصة
ومثبت بها بعض الارسان وتستخدم غالبا لتربط بها الخيول او الجمال ولو توقفت عند ذلك الجزء المتهدم لرأيت من خلاله
ان الارض حول هذه الجذوع المقصوصه تكاد تكون محفورة دائريا بسبب دوران البهائم حولها وهي موثقه بالرسن
واذا ما تجاوزته فسينتهي بك الطريق الى بيوتات يعلوها السكون وربما يغط اهلها في قيلوله بسبب حرارة الهاجرة
وعند زاوية احد تلك البيوت يخرج رجل بائن الطول أذا رأيته يمشى كأنه راكب لشدة طوله وضخامته
ويتبين لك من النظرة الاولى قوة عضلاته وضخامة صدرة
فاذا ما دنى اتضح انه ابيض الوجه مُشَرَّب بحمرة ضخم الشارب كث اللحية ومع هذا فهو حسن الوجه
وقد رفع عمامته قليلا لشدة الحر فبانت صلعة رأسه فأذا مشى أسرع في مشيته
كأنما يدب الأرض ولكي تكتمل جميع عناصر الهيبة لهذا الرجل فهو ان تكلم بجوار فرد فى غفلة
من الممكن أن يُغشى عليه من الخوف وذلك لهيبته
وقد يبدو اكبر من عمره وذلك بسبب نشأته وما قاساه من شدة في التربية في صغره
وبينما هو يسير في تلك الطريق والعرق يتصبب من جبينه وهو قاطب الحاجبين شارد الفكر
يفكر في امر اثقل عليه ويبدوا انه في مزاج متعكر وربما يريد ان يَفْتِكْ باحدهم ويبدو هذا جليا
من توشحه لسيفه وهو قابض عليه بيده اليسرى ومسرعا يحث الخطى متجها صوب الكعبة
إذْ فاجأه احد الرجال وكان لم يره لشدة انشغال تفكيره حتى دنا منه
وسأله:
الى اين ياعمر؟
فانتبه وحدق به مليا ثم ارخى نظره وارسله الى سيفه وهو يحركه بيده اليسرى وبعد ان أخذ نفسا عميقا قال:
إلى محمد كي أقتله و أُرِيْح قريش منه 0
فخاف ذلك الرجل على النبى وقد كان يخفي اسلامه
ولكنه ما زال متماسكا ورابط الجأش ولم يبدِ تأثره بكلام عمر رغم علمه انه جاد في ما يقول
فابتسم ابتسامة ثم حرك قدمه وهو يقلب بها بعض الحصى على الارض
فقال بلغة التهديد دون ان ينظر مباشرة في عيني عمر وهي تكاد ان تقدح بالشرر
ومحاولا ثنيه :
أوتتركك بنى عبد المطلب؟
فشد عمرٌ يده على قبضة سيفه وهو يحركه وكانه يريد ان يسله من غمده فقال:
أراك أتبعت محمد .. أراك صبأت
فبدا على الصحابى الخوف لشدة وعلو نبرة صوت عمر فبدأ يرفع قميصه وينفضه حول عنقه متظاهرا بالتعرق لشدة الحر
وهو يفكر في وسيلة لصرف نظر عمر ومفاجئته بامر يجعله يتأخر عن الذهاب لرسول الله ولكي يستغل هو تلك الفرصه لتحذير الرسول فقال:
أبدا ولكن أعلم يا عمر بدلا من أن تذهب ألى محمد أنظر الى اختك
و زوجها فقد أتبعوا دين محمد
فغضب عمر غضبا شديدا وامسك بتلابيب الرجل و وجذبه اليه جذبة قوية وهو يقول :
أوقد فَعَلَتْ ؟!
فرد الرجل: نعم
ولم يزد عليها فهو بين قبضتي عمر وانتظر ما سيفعله به


ثم اطلقه وهو يرفع بنظره الى آخر الطريق ببطء مع اتساع حدقتى عينيه لشدة غضبه
وانطلق وهو فى قمة غضبه والارض تهتز من وقع خطاه

فتحرك الصحابي عن طريق عمر قليلا ووقف متسمرا في مكانه حتى تأكد انه لم يذهب الى الكعبة
فأنطلق مسرعا للرسول لينذره بما ينوي ان يفعله عمر بن الخطاب فهو فضل ان يضحى
بفاطمة أخت عمر و زوجها سعيد بن زيد على ان يقتل رسول الله


وصل قريبا من بيت اخته وقبل ان يطرق سمع صوتاً جميلاً
صادراً من داخل البيت ورغم ان هذا الصوتُ كان خافتا الا انه عرف انه صوت سعيد زوج اخته فاطمة

ولا يكاد يسمع صوتا اخراً غير الترتيل ولكن لم يحرك هذا الصوت او تلك الايات شيئا في قلبه بل طرق الباب طرقا شديداً

مما اضطر خباب الى الاختباء حينما علم انه عمر

فدخل كالاسد الهصور وكان الداخل من ذلك الباب يرى غرفة صغيرة لها بابين
احدهما للخروج والاخر مغطى بقطعة قماش لستر اهل البيت من الداخل
ومن خلاله تدلف الى بقية البيت
وفي تلك الغرفة الصغيرة التي فُرِشَتْ ارضها بحصير من سعف النخل وغطيت ببعض جلود الماعز
وفي احد الاركان القريبة جرتين للماء
ووضع في احد اطراف الغرفة اريكة غير مرتفعة وعليها بعض الوسائد ويبدو من ترتيب تلك الوسائد انه لم يجلس عليها احدٌ
فالجميع كانو يجلسون على الارض ويستمعون الى سعيد وهو يتلوا القرآن


فأنقض عليه عمرُ وكأن شيئٌ عظيمٌ يحركه ويؤجج فيه رغبه الانتقام من كل من يعتنق هذا الدين ولو كان اقرب الناس اليه
فقال لسعيد وقد تحقق من اسلامه:
بلغنى انك قد صبأت و أتبعت محمد
فقال: يا عمر أرأيت ان كان الحق فى غير دينك؟
فدفعه وسقط فوقه و ظل يضربه فى وجهه
فجاءت فاطمة محاولة تحريك هذا الجبل العظيم الذي يجلس على زوجها
فلطمها لطمة فسال الدم من وجهها
ولكن لم تؤثر في عقيدتها شيئا فقالت بصوت الواثقة من نفسها:
أرأيت ان كان الحق فى غير دينك؟
ثم نظر عمر الى شيء قد سقط من يدها حينما لطمها
وأذا هي صحيفةٌ من الجلد كتب فيها شيء لم يتبينه
فترك سعيد محاولا التقاط تلك الرقعةَ
ولكن اخته دفعته قبل ان يلمسها
وكأن تلك الضعيفة الرقيقة تحولت الى اعصار
حالت دون ان يلمس الصحيفة
وقالت وهي تمسح الدماء عن وجهها
وتحاول ان تقبض بلكتا يديها على الرقعة وعينا عمر لاتفارقها :
لا أعطيك
لَسْتَ من أهله
أنت لا تغتسل من الجنابة
ولا تتطهر
وهذا {لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ المُطَهَّرُوْنَ}
وفي حاله غريبة وردة فعل غير متوقعة هدأت الثورة العظيمة في عمر وبدأ يتلمس تلك الاريكه وهو يعود القهقرى لكي يجلس عليها
ومحاولا ان يتفهم ما سر هذه القوة التي جعلتها تقف في وجهه
وكان سعيدُ في هذه الاثناء يشاهد ما يدور بين عمر واخته وهو يحاول الجلوس بعد ان نال الكثير من اللكمات والضرب
فساد السكون الغرفة للحظات رغم ما احدثه العراك من تناثر بعض الوسائد وسقوط احدى الجرار وانساكب ما بها من ماء
ثم قام عمر والقى احد الوسائد كانت في يده على الارض
وعيناه لاتنفك عن الرقعة تارة وفي الدماء التي في وجه اخته تارة اخرى
ثم غاب للحظات واتى يقطر رأسه ماء
وقال بصوت هاديء ناوليني الصحيفة
فبدأ يقرأ فكانت سوره
" طه{1} مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى{2} إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى{3}
تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى{4} الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى{5}
لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى{6}
وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى{7} اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى{8}.
"

فقال: لا يقول هذا الكلام الآ رب العالمين
أشهد أن لا أله الآ الله و أن محمد رسول الله
دلونى على محمد

فتحركت تلك الستارة فخرج من وراءها خباب أبن ألارت وتقدم امام عمر يتفحصه فلا يرى امامه
الا طفلا وديعا هادئا و قال:
أنه موجود فى دار الارقم أبن أبى الأرقم
ولا أراك اسلمت الا بدعوة رسو الله عندما قال:
أللهم أعز الأسلام بأحد العمرين
فخرج وقد ودعهم بنظرة ادخلت السرور على قلوبهم
ونسيت فاطمة ما بها من جرح وكذلك زوجها سعيد


وسارت به قدماه وتحمله الاقدار ومشيئة الرحمن حتى وصل الى دار الارقم
وهو لايكلم احداً قد مر به
وكأن الطريق قد اختصرت في خطوتين
فطرق عليهم الباب
فقال بلال :من هذا ؟
قال: ابن الخطاب فعم السكون لبرهة والقوم ينظرون الى بعضهم البعض
فما اجترأ أحدٌ منهم أن يفتح الباب.
فقال حمزةُ لا عليكم أن جاء لخير فأهلا به و أن كان غير ذلك فأنا له
فقال رسول الله: "افتحوا فإنه إن يرد اللّه به خيراً يهده"
فقام حمزة وتقدم وكأنه مقدما على صيد اسد فقد تعود فعل ذلك فهو صائد الاسود
وأخذه من ظهره
فقال النبى صلى الله عليه وسلم دعه يا حمزة
تعال يا عمر فأقترب عمر ولم يكن يعرف احداً ممن في الدار ولم يكلف نفسه عناء تفحص تلك الوجوه
فقد كان يتحرك في قلبه شيء لا يعلم ماهو
فاقترب وهو ما زال في هول الصدمة وهذا التحول الكبير
وينظر الى عيني الرسول نظرة من يريد النجاة من الغرق
فأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم بمجمع قميصه حتى سقط على ركبته فقال:
"أما أن لك أن تسلم يا أبن الخطاب "
فقال: اشهد أن لاأله الآ الله و أن محمد رسول الله
فكبر الرسول تكبيرة سمعها الصحابة
فكبر الصحابة فسمعهم كل من في مكة.


انتهى

هناك 3 تعليقات:

ريحانة الإسلام يقول...

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته,

حياك الله أخي الكريم، أتمنى من الله أن تكون بخير و منة،
اشتقنا لتدويناتك الراقية و المميزة..

..
قصة اسلام سيدنا عمر رضي الله عنه و أرضاه من أجمل القصص التي تتمتع بطابع القوة و التشويق، و ما ميزها اليوم أنك صُغتها بطريقة و أسلوب مميزين..نسأل الله تبارك و تعالى أن يجعلها في ميزان حسناتك
أعجبتني طريقتك في تصوير المشاهد و تسلسل الأحداث، جزاك ربي عنا خير الجزاء،

فقط لي سؤال لو سمحت أخي، هل ما خرجت به نتاج تجميع بعض الروايات؟ و على ما اعتمدت في ذلك؟
ـــــ
أخي تمت دعوتك لحل واجب بعنوان "ماذا أقرأ؟" أرجو أن لا يكون في الأمر أي احراج

تحياتي و تقديري

غير معرف يقول...

اقسمت عليك /ى بالذى رفع السموات الطباق ان لا تتجاهل رسالتى دا فى عنقك حتى يوم المحشر ابعته لغيرك وبسرعة لكن امنتك بالله لاذم تشوفه


http://www.youtube.com/watch?v=r3QqyuaJZ7Y


تانى لينك

http://213.251.145.96/cable/2008/12/08CAIRO2572.html

تالت لينك

http://www.telegraph.co.uk/news/worldnews/africaandindianocean/egypt/8289698/Egypt-protests-secret-US-document-discloses-support-for-protesters.html


رابع لينك


http://www.telegraph.co.uk/news/worldnews/africaandindianocean/egypt/8289686/Egypt-protests-Americas-secret-backing-for-rebel-leaders-behind-uprising.html



5-very impor...خامسة الرجل دا قاعد فى وشنطون امريكا؟؟!!! .


http://www.youtube.com/watch?v=PANW_J18z4Y&feature=related

6 ودا قبل يوم من النزول للشارع

http://www.youtube.com/watch?v=tX-6aN4uHoI&feature=related


وفية اكتر واكتر لكن اللى عاوز يشوف يدور ارجوا الاهتمام والقاء لو نظرة بسيطة

صالح السيد رهين المحبسين يقول...

بسم الله الرحمن الرحيم
اعتذر ان جاء ردي عليكم متاخرا ومتاخرا جدا
السيده ريحانة الاسلام جعلك الله من رياحين الجنه

استاذتي اسعدني هذا الرد الجميل الرائع وبالنسبه على ماذا استندت في القصه فالقصه كانت مقدمه مني كامسيه في احدى ليالي رمضان الكريم قبل عامين تقريبا في احد المنتديات وحاولت ان اسرد القصه باسلوب خاص متأثرا بمدرسه جرجي زيدان ( تاريخ الاسلام ) فانا من المعجبين بهذا الوائي وقد اعتمدت على ما توافر لي من معلومات عن اسلام سيدنا عمر بالدراسه وببعض المراجع التي ذكرتها في اخر القصه ( والتي اكتشفت للتو انني لم اضيفها سهواً مني ) ولو ان قصة اسلام عمر مختلف في احداثها لكن انا رايت ان هذه اكثر قربا لي وفقك الله